عندما تتردد نغمات تتر “ليالي الحلمية”، يستعاد في الذاكرة واحد من أبرز الألحان التي شكلت علامة فارقة في تاريخ الدراما المصرية، إذ أن هذا اللحن الذي أبدعه الموسيقار ميشيل المصري يعكس قدرة الموسيقى على التفاعل مع الحكايات والشخصيات والمشاعر في أعمال تعتبر جزءًا من الذاكرة الثقافية المصرية.

وتصادف اليوم، 30 يونيو، ذكرى رحيل أحد أبرز عرّابي الموسيقى التصويرية، الذي غادر عالمنا في عام 2018، تاركًا إرثًا موسيقيًا غنيًا، امتد عبر عقود، حيث وضع بصمته على العديد من الأعمال الفنية، وأصبح اسمه مرتبطًا بألحان قادرة على استحضار زمن كامل بمجرد سماعها.

رحلة ميشيل المصري مع الموسيقى

وُلد ميشيل المصري في عائلة لم تكن ترى الفن طريقًا لمستقبل مشرق، فوالده كان تاجرًا يعشق الاستماع إلى الموسيقى ولكنه عارض بشدة توجه ابنه نحو المجال الفني، ورغم ذلك، ظل ميشيل يحمل شغفًا خاصًا بالرسم والموسيقى، وهي موهبة حظيت بتشجيع أساتذته الذين أدركوا مبكرًا قدراته الفنية.

وبعد انتهاء دراسته الثانوية، التحق سرًا بمعهد ليوناردو دافنشي للفنون الجميلة بالقاهرة، ثم واصل مسيرته الموسيقية بالانضمام إلى معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية عام 1949، ورغم إجادته العزف على آلة الكمان، وجهه مدير المعهد لدراسة آلة الكورنيت النحاسية، ليبدأ رحلة جديدة مع عالم الموسيقى.

لم يكتفِ ميشيل بالتعلم، بل أسس فرقة موسيقية ضمت خمسة وعشرين عازفًا، ليبرز نجمًا ساطعًا ويعزف مع كوكب الشرق أم كلثوم في حفلاتها الأخيرة، إذ شارك في تقديم أعمال شهيرة مثل “أغدًا ألقاك”، “من أجل عينيك”، “يا مسهرني” و”ليلة حب”.

كما كان أحد العازفين المميزين في الفرقة الماسية، حيث شارك في العزف والتوزيع الموسيقي لعشرات الألحان التي قدمتها الفرقة مع كبار المطربين.

وامتدت تجربته إلى عالم فيروز، حيث عزف مع فرقة الرحابنية وكان عازفها الأول، كما ساهم في توزيع عدد من أعمال محمد عبد الوهاب، من بينها “بعمرى كله حبيتك”، “أنده عليك” و”في يوم وليلة” التي غنتها وردة الجزائرية، إلى جانب توزيع “قارئة الفنجان”.

بصمة لا تنسى في الدراما والسينما

اتجه ميشيل المصري بعد ذلك إلى التأليف الموسيقي، ليقدم عشرات الأعمال التي أصبحت جزءًا من ذاكرة الجمهور، فكتب الموسيقى التصويرية لخمس عشرة فيلمًا روائيًا مصريًا، ووضع ألحان سبعة وعشرين مسلسلًا تلفزيونيًا، إلى جانب التترات والأغاني والأعمال الموسيقية المتنوعة.

ومن أشهر أعماله في الدراما التلفزيونية، تتر مسلسل “ليالي الحلمية”، “من الذي لا يحب فاطمة”، “عائلة الحاج متولي” و”الفنار”.

تميز أسلوب ميشيل المصري بالبساطة والقدرة على الوصول إلى القلب، حيث كانت جمله اللحنية واضحة وغير متكلفة، لكنها تحمل إحساسًا عميقًا يخدم الصورة الدرامية ويمنح العمل هوية خاصة.

أكثر من مائة عمل.. وإرث لا يغيب

ترك ميشيل المصري أكثر من مائة عمل فني تنوعت بين الموسيقى التصويرية، وتترات المسلسلات، والأغاني، والأفلام، والأبريتات الغنائية، والمؤلفات الموسيقية.

ورغم رحيله، ظلت ألحانه حاضرة في وجدان الجمهور، فكلما عادت نغمات “ليالي الحلمية” أو أي من أعماله، يتجدد حضور موسيقار امتلك قدرة نادرة على تحويل المشاعر إلى ألحان، والحكايات إلى ذاكرة موسيقية لا تُنسى.