على مدى خمسة وعشرين عامًا، كانت محطة الفضاء الدولية تمثل نقطة الوجود البشري الدائمة خارج كوكب الأرض، لكنها الآن تقترب من نهايتها الرسمية، حيث تستعد صناعة الفضاء لدخول مرحلة جديدة تعتمد على اقتصاد فضائي متكامل تقوده الشركات الخاصة، مما يعكس تحولًا في كيفية تصنيع واستثمار الأبحاث في المدار.

منذ نوفمبر 2000، عندما استقر رائدا فضاء روسيان ورائد فضاء أمريكي داخل المحطة لأول مرة، لم يتوقف وجود البشر في الفضاء، حيث عاش على متنها نحو 300 شخص من 26 دولة، وأُجريت آلاف التجارب العلمية في مختبر بحجم ملعب كرة قدم يدور حول الأرض بسرعة تصل إلى 28 ألف كيلومتر في الساعة.

أغلى مشروع هندسي في تاريخ البشرية

تجاوزت تكلفة بناء محطة الفضاء الدولية 150 مليار دولار، بينما تتحمل الولايات المتحدة وحدها نحو 3 مليارات دولار سنويًا لتشغيلها، مما يجعلها واحدة من أغلى المنشآت التي أنشأها الإنسان، ولكن الخطة الحالية، التي تم تأكيدها رسميًا، تتضمن إنهاء المحطة بشكل متعمد عبر إسقاطها في المحيط بحلول عامي 2030 أو 2031، في واحدة من أكبر عمليات التدمير الموجه في التاريخ.

ناسا تغيّر قواعد اللعبة

بدلاً من بناء محطة حكومية جديدة، اتخذت NASA قرارًا استراتيجيًا بالتحول من “مالك” إلى “عميل”، حيث ستقوم بتمويل عدة شركات خاصة لبناء محطات فضائية تجارية، ثم تشتري منها خدمات الأبحاث وإقامة رواد الفضاء، وتشير التقديرات إلى أن العقود المتوقعة بين ناسا وهذه الشركات قد تتراوح قيمتها بين مليار و1.5 مليار دولار خلال الفترة من 2026 وحتى 2031.

محطات فضائية خاصة قيد الإنشاء

تعمل شركة Vast Space على تطوير محطة Haven-1، التي تعتبر أول محطة فضائية تجارية مستقلة في التاريخ، ومن المتوقع إطلاقها مطلع 2027 على متن صاروخ SpaceX Falcon 9، وستستوعب في البداية أربعة رواد فضاء لمدة تصل إلى عشرة أيام، بينما تسلك Axiom Space طريقًا مختلفًا، إذ ستربط أول وحدة فضائية خاصة بها مباشرة بمحطة الفضاء الدولية قبل تقاعدها، بهدف ضمان استمرار الوجود البشري في المدار دون انقطاع، مع خطط لإطلاق محطة مستقلة بالكامل بحلول 2028، وفي المقابل، تطور Blue Origin بالتعاون مع Sierra Space وBoeing وAmazon مشروع Orbital Reef، الذي يتضمن وحدة ترفيهية قابلة للنفخ مخصصة لتصوير الأفلام، بينما يعمل مشروع Starlab، الذي تطوره شركة Voyager Space بالشراكة مع Airbus، على إطلاقه عام 2029 عبر مركبة SpaceX Starship.

لماذا أصبح المدار مصدرًا للثروة؟

تستند الرؤية الاقتصادية الجديدة إلى المزايا الفريدة لانعدام الجاذبية، حيث تسمح بيئة الفضاء بإنتاج مواد وتجارب يصعب أو يستحيل تنفيذها على الأرض، مثل بلورة البروتينات بشكل أكثر دقة في الجاذبية الصغرى، مما يساعد في تطوير أدوية جديدة، كما أن بعض الألياف البصرية والسبائك المعدنية يمكن تصنيعها بجودة أعلى في الفضاء، ولهذا تسعى الشركات الجديدة لتحويل المحطات المدارية إلى مصانع ومختبرات ومراكز أبحاث تجارية.

المخاطر التي تقلق الصناعة

رغم الحماس الكبير، يخشى خبراء الفضاء من حدوث فجوة زمنية بين تقاعد محطة الفضاء الدولية ووصول البدائل التجارية إلى مرحلة التشغيل الكامل، ما قد يترك الولايات المتحدة لأول مرة منذ عقود دون وجود بشري دائم في المدار الأرضي المنخفض، كما أن صناعة الفضاء معروفة بتأجيلاتها الطويلة، ولا تزال هناك تساؤلات حول قدرة جميع هذه الشركات على تحقيق أرباح حقيقية في ظل اعتمادها على نفس العقود الحكومية تقريبًا.

من التعاون الدولي إلى “حي أعمال” فضائي

مثلّت محطة الفضاء الدولية رمزًا للتعاون الدولي لعقود، حيث حملت أعلام 15 دولة وعكست نموذجًا فريدًا من الشراكة العلمية والسياسية، لكن ما سيأتي بعدها يبدو أقرب إلى “حي أعمال” فضائي، يضم مختبرات للإيجار، ومصانع مدارية، ووحدات إقامة لرواد فضاء أثرياء، ورغم أن أسعار التذاكر ستظل مرتفعة للغاية في البداية، فإن الشركات تأمل في أن يؤدي نجاح هذه المحطات مستقبلًا إلى توسيع نطاق الوصول أمام الباحثين والوكالات والشركات الصناعية.

نهاية محطة.. وبداية اقتصاد فضائي جديد

خلال سنوات قليلة، ستسقط محطة الفضاء الدولية في المحيط بعد احتراق أجزاء كبيرة منها أثناء العودة إلى الغلاف الجوي، لتنتهي بذلك حقبة كاملة من تاريخ استكشاف الفضاء، لكن البديل بدأ بالفعل في التشكل داخل مصانع كاليفورنيا، ومراكز التصميم في هيوستن، ومكاتب الهندسة في أوروبا، وهو بديل لن يشبه محطة الفضاء الدولية، لا في الشكل ولا في الوظيفة، وقد لا يحمل أعلام الدول فوقه بل شعارات الشركات.